ابن كثير

171

السيرة النبوية

قدمنا ( 1 ) ترجمته في أيام الجاهلية ، فذكروا أنه لا عقب له . وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهم يرصدون عيرا لقريش قدمت من الشام . وهذا يقتضى تقدم وفادتهم على الفتح . والله أعلم . وفد بني فزارة قال الواقدي : حدثنا عبد الله بن محمد بن عمر الجمحي ، عن أبي وجزة السعدي ، قال : لما رجع رسول الله من تبوك وكان سنة تسع ، قدم عليه وفد بني فزارة بضعة عشر رجلا فيهم خارجة بن حصن ، والحارث بن قيس بن حصن ، وهو أصغرهم على ركاب عجاف ، فجاءوا مقرين بالاسلام . وسألهم رسول الله عن بلادهم . فقال أحدهم : يا رسول الله أسنتت بلادنا وهلكت مواشينا وأجدب جنابنا وغرث عيالنا ( 2 ) ، فادع الله لنا . فصعد رسول الله المنبر ودعا فقال : " اللهم اسق بلادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت ، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريا مريعا طبقا ( 3 ) واسعا عاجلا غير آجل ، نافعا غير ضار ، اللهم اسقنا سقيا رحمة ولا سقيا عذاب ولا هدم ، ولا غرق ، ولا محق ، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء " . قال : فمطرت فما رأوا السماء سبتا ( 4 ) . فصعد رسول الله المنبر فدعا فقال : " اللهم حوالينا ولا علينا ، على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر " . فانجابت السماء عن المدينة انجياب الثوب .

--> ( 1 ) سبق ذلك في الجزء الأول . ( 2 ) أسنتت : أصابتها السنة : وهي الجدب . والجناب : الناحية . وغرث : جاع . ( 3 ) المريع : الخصيب . والطبق : الذي يعم الأرض . ( 4 ) السبت : البرهة .